محمد جمال الدين القاسمي

304

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ركعتان . تمام غير قصر على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقد خاب من افترى . وهذا ثابت عن عمر رضي اللّه عنه . وهو الذي سأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ما بالنا نقصر وقد أمنّا ؟ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : صدقة تصدق اللّه بها عليكم . فاقبلوا صدقته . ولا تناقض بين حديثيه . فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما أجابه بأن هذه صدقة اللّه عليكم ، ودينه اليسر السمح ، علم عمر أنه ليس المراد من الآية قصر العدد ، كما فهمه كثير من الناس ، فقال : صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر . وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قصر العدد مباح ، منفيّ عنه الجناح . فإن شاء المصلي فعله وإن شاء أتم . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يواظب في سفره على ركعتين ركعتين ولم يربع قط إلا شيئا فعله في بعض صلاة الخوف . كما سنذكره هناك ، ونبيّن ما فيه إن شاء اللّه تعالى . وقال أنس « 1 » : خرجت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة إلى مكة . وكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة . متفق عليه . ولما بلغ « 2 » عبد اللّه بن مسعود أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات ، قال : إنا للّه وإنا إليه راجعون . صليت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمنى ركعتين . وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين وصليت مع عمر ركعتين . فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان . متفق عليه . ولم يكن ابن مسعود ليسترجع من فعل عثمان أحد الجائزين المخير بينهما . بلى الأولى على قول وإنما استرجع لما شاهده من مداومة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه على ركعتين . وفي صحيح البخاريّ « 3 » عن ابن عمر رضي اللّه عنه قال : صحبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فكان في السفر لا يزيد على ركعتين . وأبا بكر وعمر وعثمان ( يعني في صدر خلافة عثمان ) . وإلا فعثمان قد أتمّ في آخر خلافته . وكان ذلك أحد الأسباب التي نكرت عليه . وقد خرج لفعله تأويلات : أحدها - أن الأعراب كانوا قد حجوا تلك السنة . فأراد أن يعلمهم أن فرض الصلاة أربع ، لئلا يتوهموا أنها ركعتان في الحضر والسفر . ورد هذا التأويل بأنهم كانوا أحرى بذلك في حج النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فكانوا حديثي عهد بالإسلام ، والعهد بالصلاة قريب . ومع هذا فلم يربع بهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . الثاني - أنه كان إماما للناس . والإمام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : تقصير الصلاة ، 1 - باب ما جاء في التقصير وكم يقيم حتى يقصر ، حديث 595 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : تقصير الصلاة ، 2 - باب الصلاة بمنى ، حديث 598 . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في : تقصير الصلاة ، 11 - باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها ، حديث 606 .